الشيخ عبد الله البحراني

194

العوالم ، الإمام محمد الباقر ( ع )

فأمّا ما ذكرت من السابقين فهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين ، جعل اللّه فيهم خمسة أرواح : روح القدس وروح الإيمان ، وروح القوّة ، وروح الشّهوة ، وروح البدن وبيّن ذلك في كتابه حيث قال : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ « 1 » . ثمّ قال في جميعهم وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ « 2 » . فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين ، وبروح القدس علموا جميع الأشياء ، وبروح الإيمان عبدوا اللّه ولم يشركوا به شيئا ، وبروح القوّة جاهدوا عدوّهم وعالجوا معايشهم ، وبروح الشهوة أصابوا لذّة الطعام ونكحوا الحلال من النساء ، وبروح البدن يدبّ ويدرج . وأمّا ما ذكرت من « أصحاب الميمنة » فهم المؤمنون حقّا ، جعل فيهم أربعة أرواح : روح الإيمان ، وروح القوّة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، ولا يزال العبد مستعملا بهذه الأرواح الأربعة حتّى يهمّ بالخطيئة ، فإذا همّ بالخطيئة زيّن له روح الشهوة ، وشجّعه روح القوّة ، وقاده روح البدن حتّى يوقعه في تلك الخطيئة ، فإذا لامس الخطيئة انتقص من الإيمان وانتقص الإيمان منه ، فإن تاب تاب اللّه عليه ؛ وقد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الأربعة ، وذلك قول اللّه تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً « 3 » . فتنتقص روح القوّة ، ولا يستطيع مجاهدة العدوّ ، ولا معالجة المعيشة وتنتقص منه روح الشهوة ، فلو مرّت به أحسن بنات آدم لم يحنّ إليها ، وتبقى فيه روح الإيمان وروح البدن ، فبروح الإيمان يعبد اللّه ، وبروح البدن يدبّ ويدرج حتّى يأتيه ملك الموت . وأمّا ما ذكرت « أصحاب المشئمة » فمنهم أهل الكتاب ، قال اللّه تبارك وتعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ « 4 » .

--> ( 1 ) - البقرة : 253 . ( 2 ) - المجادلة : 22 . ( 3 ) - النحل : 70 . ( 4 ) - البقرة : 146 و 147 .